اخبار سريعة

ثقافة و فنسلايدشو

حوار مع المخرج الحبيب نونو: من طقوس “إصوابن” إلى رهانات المسرح الأمازيغي المعاصر

حوار مع المخرج لحبيب نونو

الحبيب نونو، فنان مسرحي، مخرج، ومكون، اشتغلت على مدى أكثر من ثلاثة عقود في تقاطعات الفن والتربية والثقافة. بدأت مسيرتك كممثل ومخرج، ثم طوّرت اشتغالك ليمتد إلى مجالات الإدارة الثقافية وتكوين الشباب. أنت تتمي إلى جيل يرى في المسرح ليس فقط وسيلة تعبير جمالي، بل أداة للتنمية الثقافية والاجتماعية. اشتغلت في الوسط التربوي منذ 1996، وأسّست جمعية Art-gana التي كانت وما تزال منصة لتجريب وتطوير مشاريع مسرحية تربط المحلي بالكوني. في السنوات الأخيرة، ركّزت جهودك على استثمار الفرجات الشعبية كأرضية للإبداع المسرحي أمازيغي المعاصر.

2- ما هي الدوافع التي جعلتك تختار إصوابن كطقس تراثي تشتغل عليه لبناء فرجة مسرحية؟

اختيار “إصوابن” لم يكن اعتباطيًا، بل نابع من وعي بضرورة استنطاق الذاكرة الجمالية الجماعية للمنطقة، وإعادة تأويلها مسرحيًا. فرجة “إصوابن”، بصيغتها الشعبية في سوس، تختزن بعدًا أدائيًا، هزليًا، واحتجاجيًا، يتقاطع مع وظائف المسرح منذ بداياته. الدافع الأساس كان فنيًا وهوياتيًا في آن، يتمثل في رغبتي في إحياء هذا الطقس التراثي وتثمين رموزه، مع إعادة تركيبه جماليًا ليخاطب جمهور اليوم بلغة مسرحية معاصرة. اشتغلت على القناع، الحركة، الإيقاع، والارتجال، كعناصر درامية تحمل طاقة تعبيرية قادرة على بلورة فرجة تتجاوز التوثيق نحو الابتكار.

  1. . هل نحتاج إلى التراث كي نطور الإبداع المسرحي الأمازيغي؟

نعم، لكن ليس بوصفه مادة جاهزة غير متحركة، بل كمخزون رمزي وجمالي ينبغي تفكيكه، إعادة تأويله، ونقله من فضاء الطقس إلى فضاء العرض. التراث في المسرح الأمازيغي ليس فقط موضوعًا، بل أداة بناء درامية. نحتاج إلى مقاربة تجعل من التراث منصة انطلاق لا قيدًا، نستلهم منه دون أن نقع في فخ الحنين أو الفلكلرة. إنه مادة خام، نعيد صهرها وفق رؤية معاصرة، تراعي إشكالات الراهن، وتمنح للمسرح الأمازيغي جذورًا تُغذيه وهو يمتد نحو آفاق حداثية.

  • ما هي أهم الأفكار التي تريد إيصالها إلى المهتم بالمسرح الأمازيغي من خلال عرضك “إصوابن”؟

عرض “إصوابن” هو تمرين على استعادة القناع كوسيط درامي وكمورد بيداغوجي، وعلى مساءلة السلطة والهوية والفراغ المسرحي في آن. أردت من خلاله أن أُبرز كيف يمكن للموروث الشعبي أن يستوعب قضايا معاصرة، دون أن يفقد هويته أو يتحول إلى مجرد وثيقة تراثية. “إصوابن” في عرضه المسرحي يُقدِّم حكاية جماعية، تصوغها الأجساد والأقنعة والإيقاع، وتفتح أفقًا لمسرح أمازيغي ينبني على “الفرجة العالِمة”، التي تُزاوج بين الغرائبي والمعرفي، بين الشعبي والمسرحي، بين اللعب والوعي.

  • ماذا تنتظر من قناع “إصوابن” مستقبلاً؟

أنتظر منه أن يتحول إلى وسيلة تعليمية وتكوينية داخل الورش المسرحي، وإلى محفز على الإبداع داخل مختبرات التجريب المسرحي الأمازيغي. القناع هنا ليس فقط عنصرًا بصريًا، بل حامل معنى، ذاكرة، وموقف. آمل أن يساهم في تشكيل تقاليد جديدة للعب المسرحي، تستثمر التعبير الجسدي والارتجال والتنكر لإنتاج خطاب بصري نقدي. أطمح أن يتحول قناع “إصوابن” إلى رمز مسرحي أمازيغي معاصر، يُوظَّف في العروض والورشات والبحوث الأكاديمية على حد سواء.

  • ما هي نصيحتك للشباب الذين يودون الاشتغال على التراث المسرحي الأمازيغي؟

أنصحهم بالانفتاح النقدي على التراث، لا بوصفه مادة مقدسة، بل بوصفه مجالاً للتفكيك والإبداع. التراث ليس متحفًا، بل مختبرًا حيًا. من المهم الغوص في دلالاته، التمكن من أدوات تحليله، ثم إعادة بنائه جماليًا. أوصيهم بالمزاوجة بين البحث الأكاديمي والتجريب الفني، بين التكوين النظري والممارسة المسرحية، مع الحذر من السقوط في فخ الاستنساخ أو التكرار. فالمسرح الأمازيغي اليوم في حاجة إلى تجديد لغته، أدواته، وأشكاله التعبيرية، ولا سبيل إلى ذلك دون شجاعة إعادة النظر في تراثنا بأسئلة العصر.

  • هل لك أن تحدثنا عن دار القناع بتيزنيت؟

فكرة “دار القناع – TASSUNA” في تيزنيت، التي اقترحها الدكتور إبراهيم أدادا، تندرج ضمن رؤية طموحة تسعى إلى تحويل مدينة تيزنيت من مجرد حاضرة تراثية إلى مركز إشعاع ثقافي متجدد ينبني على تراثها الرمزي، وخصوصًا فرجاتها الشعبية وفي مقدمتها “إمعشار”. نحن، في فرقة Art-gana، نؤمن بأن هذه المبادرة تفتح آفاقًا واعدة لإعادة التفكير في دور القناع ضمن الثقافة المحلية والكونية، ليس فقط كعنصر أدائي أو فلكلوري، بل كأداة معرفية، تربوية، وجمالية. من هنا، جاء انخراطنا في بلورة تصور متكامل لهذه الدار، باعتبارها فضاءً متعدد الوظائف، يجمع بين المتحف، المختبر، المدرسة، ومركز البحث. TASSUNA ليست مجرد فضاء للعرض، بل هي مشروع ثقافي عميق يسعى إلى:

  •  تثمين التراث اللامادي، عبر عرض مجموعة من الأقنعة التقليدية المرتبطة بـ”إمعشار” وأقنعة من ثقافات أخرى، بما يمنح الزائر تجربة حسية وتاريخية غنية
  •  خلق مساحات للتكوين والممارسة، عبر أوراش تكوينية تُمكن المسرحيين والباحثين من فهم القناع، تقنيًا وسيميائيًا، واستثمار أبعاده في بناء فرجات جديدة
  •  تفعيل البعد الأكاديمي والعلمي من خلال تشجيع البحث والدراسة حول دلالات القناع، وتحولاته عبر العصور
  •  تعزيز البعد الدولي عبر الانفتاح على تجارب عالمية، خاصة في إطار التوأمة الثقافية مع مدينة فلورنسا الإيطالية، ما يمنح لـ”TASSUNA” أفقًا كونيًا وعمقًا دبلوماسيًا ثقافيًا
  •  والمساهمة في تحقيق التنمية الثقافية المستدامة من خلال تحويل فضاءات أثرية – كأبراج سور تيزنيت – إلى محطات إشعاع فني وسياحي نابض. “دار القناع” تكرّس فلسفتنا في ربط الفن بالحياة اليومية، وفي جعل المسرح والثقافة محرّكين لتطور المدينة، لا كزينة خارجية، بل كمكوّن داخلي لبنية المدينة الذكية والحيّة. نطمح أن يتحقق حلم “TASSUNA” كعلامة فارقة في المشهد الثقافي الجهوي والوطني، ومثالًا على كيف يمكن للموروث أن يتحول من ماضٍ محفوظ إلى مستقبل يُبتكر ويساهم في تحقيق الرفاهية للإنسان.

وفي سياق الحديث وظائف القناع المتعددة التكوينية والإبداعبة ومن أجل التوثيق أيضا لتجربة الفرقة، فإننا نحيلكم ونحيل الرأي العام المسرحي على مختصر التقرير العام للأنشطة التي نفذتها فرقتنا آركانة ARTGANA خلال الفترة الممتدة من 24 يوليوز إلى 30 دجنبر 2023 في إطار برنامج وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة لدعم المسرح لعام 2023، توطين الفرق المسرحية بالمسارح، قدمت فرقة آركانة ARTGANA خلال الفترة الممتدة من 24 يوليوز إلى 30 دجنبر 2023 .

المحاور الرئيسية للمشروع

  1. برنامج “تينمل” لتطوير المهارات:
  • يهدف إلى تعزيز الثقافة المسرحية لدى المختصين والشباب وعموم الجمهور.
  • تضمن 10 ورشات تكوينية حول الوظائف التعبيرية والتكوينية للقناع، بمشاركة مكونين محترفين ومتطوعين.
  • مختبر “تاسونا” للتجريب وصناعة الفرجة:
  • ورشات تكوينية لفائدة الشباب في مجال المسرح، بإشراف مختصين ذوي خبرة.
  • ركزت على تحويل طقس “إصوابن” التراثي إلى فرجة معاصرة، من خلال صناعة الأقنعة وإعداد الشخصيات.
  • برنامج التنشيط الثقافي المسرحي:
  • أنشطة منفتحة على المحيط السوسيو-ثقافي، شملت ندوات بحثية ومحاكمات فنية رمزية بمشاركة مبدعين ومفكرين.
  • ناقشت مواضيع مثل “دور البحث المسرحي في مشاريع التوطين” و”رهانات الصناعة المسرحية بالجهة”.
  •  إنتاج وترويج العمل المسرحي “إصوابن:
  • إقامة فنية امتدت 20 يومًا، تضمنت تقديم 10 عروض مسرحية بثلاث جهات من المملكة.
  • استلهام طقس “إصوابن” (أو “إمعشار”)، وهو فرجة تراثية تعتمد على التنكر والأقنعة والإيقاعات الأمازيغية.
  • التحديات والإنجازات:
  • إكراهات تقنية: واجه المشروع صعوبات بسبب عطب في تجهيزات قاعة العروض (الصوت والإضاءة)، خاصة خلال شهر غشت 2023، حيث تجاوزت درجات الحرارة 45 درجة مئوية.
  • دعم المركز الثقافي: بذل فريق المركز جهودًا كبيرة لتوفير فضاءات بديلة وتسهيل تنفيذ الأنشطة، خاصة تحت إشراف مدير المركز عماد كحمو، الذي قدم دعمًا لوجستيًا وفكريًا.
  • انفتاح على المحيط: شملت الأنشطة فئات متنوعة (نزلاء المؤسسات السجنية، طلبة الجامعات، شباب معهد التكنولوجيا) وتعاونًا مع مركز السمعي البصري بجامعة ابن زهر لإنتاج أفلام وثائقية.
  • الرؤية الفنية لمشروع فرجة إصوابن تعتمد على شخصيات مثل “الحاج” و”الحزان”، مع إيقاعات البندير وعناصر من التراث اليهودي الأمازيغي.
  • المعالجة المعاصرة: مزجت بين الهزل والتراجيديا، مع التركيز على الجسد والصورة الفنية، مستفيدة من تقنيات المسرح العالمي مثل “الكوميديا ديلارتي”.

ختاما لقد مثل مشروع التوطين حول فرجة إصوابن خطوة نحو تأصيل المسرح الأمازيغي عبر توظيف التراث في إبداع معاصر، مع الحفاظ على الهوية المحلية وانفتاحها على التجديد.

  • الصعوبات التي واجهتني أثناء الاشتغال على قناع إصوابن:
  • غياب التوثيق العلمي الدقيق: أغلب المعارف المرتبطة بقناع “إمعشار/إصوابن” متداولة شفهيا، ومتشظية بين روايات متضاربة، وهو ما فرض عليّ العودة إلى الميدان، وإجراء مقابلات شفوية مع الباحث والفنان المسرحي محمد أبوري الذي فتح لي شهية هذا الشغف وورطني بشكل جميل في مسار مغامرة مليئة بالتنقيب في مقالات بعض الكتب وفي الصور والبحث عن مصادر أخرى مباشرة وملموسة من خلال المعاينة المباشرة لكرنفالات إمعشار ومن خلال المحادثات مع ثلة مهمة من الممارسين ثم الباحثين والفنانين منهم ابراهيم أدادا ومحمد بلقايد أمايور وأخمد العمري ولحسن بن يدير وخالد ألعيوظ وعبد الله كويتة ومصطفى بهاوي حميد أضوحان ورشيد بولوقت وبانوحاس، واستمعني ممارسون للفرجة مقاطع موسيقية قديمة وحكايات وطرائف غرقة في السخريةحقيقية، لتكوين فهم نسقي حول الفرجة عموما وحول رمزية القناع ووظيفته داخلها إلا أن الحصيلة تغري أكثر بالإهتمام والاشتغال الدقيق.
  • الارتباك بين الوظيفة الطقسية والوظيفة الجمالية: كان التحدي الأكبر هو كيف أُحافظ على الذاكرة الطقسية للقناع دون أن أُفرغه من حمولته الثقافية، وفي نفس الوقت كيف أُعيد صياغته داخل مشروع مسرحي معاصر دون السقوط في الفلكلرة أو المحاكاة الساذجة.
  • ضعف حساسية بعض المتدخلين تجاه التراث الشعبي كرافعة فنية: واجهت أحيانًا صعوبة في إقناع بعض المحيطين بأهمية الاشتغال على “إصوابن” كمجال للإبداع المسرحي الجاد، خاصة في ظل تصورات اختزالية تعتبر التراث مجرد “فولكلور” لا يحمل إمكانات درامية أو فكرية.
  • ندرة الموارد التقنية والبصرية: إعادة تصنيع الأقنعة بما يحترم خصوصيتها الرمزية ويتلاءم مع السينوغرافيا ، كان عملية دقيقة تطلبت تجريبًا طويلًا، وعملا مضنيا مع صانع الأقنعة مصطفى البهاويإبن مدينة تيزنيتت الذي وجدت فيه ضالتي من خلال أولا معرفته الواسعة بالفرجة ولخبرته الاحترافية في إنجاز الأقنعة.
  • العوامل التي أسعفتني لتجاوز العراقيل:
  • تكويني في مادة الاجتماعيات والتاريخ الثقافي: هذا التكوين مكنني من فهم البنيات الرمزية للطقس والطقوس، ومن مقاربة “إصوابن” ليس فقط كفرجة، بل كنتاج لسيرورة ثقافية متجذرة.
  • تجربتي الطويلة في المسرح التربوي والمسرح الشعبي” خبرتي في الاشتغال مع الأطفال والشباب وفي عروض موجهة للساكنة المحلية زودتني بحساسية خاصة تجاه التلقي الشعبي، وساعدتني على صياغة رؤية تواصلية لعرض “إصوابن”.
  • العمل الجماعي والبحث الميداني التشاركي: انفتاحي على صناع الأقنعة التقليديين، وفاعلين ثقافيين محليين، وبعض الحرفيين، ساعدني على تجاوز العديد من العراقيل التقنية والمعرفية، وجعل من المشروع تجربة جماعية لا فردية.
  •  دعم الفريق المؤطر لمشروع التوطين: اشتغالنا ضمن برنامج رسمي بدعم من وزارة الثقافة أتاح لنا الاشتغال في إطار مؤسساتي منظم، ما وفر لي هامشًا من الاستقرار للتجريب والاستثمار.

هل ندمت على أشياء معينة؟

بصراحة، لا يمكن الحديث عن “ندم” بالمعنى السلبي، ولكن أتحسر على بعض الأمور التي حالت دون تعميق التجربة، ومنها:

  • ضيق الزمن المخصص لبعض مراحل البحث، مما فرض تسريع عمليات الانجاز والتدريب في بعض اللحظات.
  • محدودية التوثيق البصري والتقني بسبب ضعف الموارد، إذ كنت أتمنى أن نوثق التجربة بكاميرات احترافية وبلغة سينمائية تحفظ روح العمل وتُتيح إعادة قراءته مستقبلًا.
  • عدم استثمار التجربة بعد إنتاج العرض في دينامية نقدية أوسع، من خلال ندوات أو منشورات علمية، كان من الممكن أن تُؤسس لنقاش أعمق حول “إصوابن” كقناع ومسرح وذاكرة.

خلاصة  لم يكن الاشتغال على قناع إصوابن مجرد تجربة فنية، بل كان التزامًا ثقافيًا اتجاه ذاكرتنا الشعبية، ورهانًا على بناء جسور بين الموروث والابتكار. وإن كنت قد صادفت صعوبات، أعتبر هذه التجربة أحد الأعمدة المؤسسة لمستقبل اشتغالي على المسرح الأمازيغي الطقسي برؤية معاصرة.

What's your reaction?

Related Posts

37 / 1

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *