تمازيغتسلايدشو

ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية: بين السبق التاريخي والاعتراف المؤسساتي وسؤال تيفيناغ

.ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية: بين السبق التاريخي والاعتراف المؤسساتي وسؤال تيفيناغ

بقلم: أحمد ليديب

مقدمة: إصدار جديد وأسئلة تتجاوز حدود الترجمة

أعاد إصدار مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف، سنة 2026، ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية السوسية (تشلحيت) فتح النقاش حول تاريخ الترجمة الدينية بالأمازيغية في المغرب، ومكانة الأعمال التي سبقت هذا الإصدار، وحدود العلاقة بين المبادرات الفردية والمشاريع المؤسساتية، فضلًا عن الاختيارات اللغوية والكتابية المعتمدة في إنتاج المعرفة بهذه اللغة.

ولا تقتصر أهمية هذا النقاش على تقييم إصدار جديد، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة كيفية توثيق الذاكرة العلمية والثقافية، ومدى الاعتراف بتراكم الجهود التي بذلها المترجمون والباحثون قبل انتقال هذا المجال إلى مرحلة الإنتاج المؤسساتي.

وفي قلب هذا النقاش يبرز سؤال أساسي: إذا كانت الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، وإذا كان حرف تيفيناغ قد اعتُمد معيارًا لكتابتها سنة 2003، فلماذا لم تُتح ترجمة معاني القرآن الكريم الجديدة بحرف تيفيناغ أيضًا، إلى جانب الحرف العربي؟

إن طرح هذا السؤال لا يستهدف التقليل من قيمة الإصدار الجديد، ولا التشكيك في جهود اللجنة العلمية المشرفة عليه، وإنما يروم توسيع النقاش حول الاعتراف بالأمازيغية لغةً للمعرفة، وضمان حضورها المكتوب في مختلف المجالات، بما فيها المجال الديني.

وتقتضي معالجة هذه القضايا مقاربة علمية متوازنة، تميز بين السبق التاريخي والصفة المؤسساتية والجودة العلمية، وتستند إلى الوثائق والمراجع، مع تجنب إصدار أحكام لا تسندها أدلة كافية.

أولًا: ترجمة الحسين جهادي سنة 2003.. السبق التاريخي وضرورة التوثيق

تشير البيانات الببليوغرافية إلى صدور كتاب الحسين جهادي الباعمراني، المعنون بـ«ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الأمازيغية»، عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء سنة 2003، في 426 صفحة.

ويمثل هذا العمل محطة مهمة في تاريخ ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية بالمغرب، بالنظر إلى تاريخ صدوره وموقعه ضمن الأعمال التي سعت إلى نقل المعاني القرآنية إلى الناطقين بهذه اللغة.

ولا تنحصر أهمية هذه التجربة في كونها مبادرة سابقة للإصدار المؤسساتي الجديد، بل تكمن أيضًا في كونها جزءًا من مسار أوسع من الاجتهادات اللغوية والثقافية التي أسهمت في تطوير الكتابة بالأمازيغية وتوسيع مجالات استعمالها.

وفي هذا السياق، تناولت دراسة أكاديمية منشورة في مجلة «أسيناگ» التابعة للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية تاريخ ترجمات معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية، وأشارت إلى ثلاث ترجمات كاملة، هي ترجمة الحسين جهادي سنة 2003، وترجمة رمضان آيت منصور سنة 2006، وترجمة حاج محند محند طيب سنة 2013، فضلًا عن ترجمة جزئية لكمال نايت زراد سنة 1996.

وتؤكد هذه الحصيلة أن تاريخ الترجمة القرآنية بالأمازيغية أقدم من الإصدار المؤسساتي لسنة 2026، وأن دراسته تستوجب استحضار الأعمال السابقة وتوثيقها وتحليل مناهجها واختياراتها اللغوية.

ومن الضروري، في هذا الإطار، التمييز بين إثبات الأسبقية التاريخية والحكم على الجودة العلمية. فصدور ترجمة في تاريخ مبكر لا يجعلها بالضرورة الأفضل من الناحية الدلالية أو الأسلوبية، كما أن صدور ترجمة لاحقة عن مؤسسة رسمية لا يمنحها تلقائيًا تفوقًا علميًا على ما سبقها.

فالسبق التاريخي مسألة توثيقية، والجودة مسألة تقييم علمي، والصفة المؤسساتية وصف لطبيعة الجهة المشرفة على العمل. ولكل معيار من هذه المعايير مجاله الخاص.

ومن ثم، فإن الاعتراف بترجمة الحسين جهادي وبغيرها من الترجمات السابقة ليس حكمًا نهائيًا على مضامينها، بل هو إقرار بموقعها في تاريخ الإنتاج اللغوي والثقافي الأمازيغي، وشرط أساسي لبناء معرفة دقيقة بتطور هذا المجال.

ثانيًا: إصدار سنة 2026.. قيمة المبادرة المؤسساتية وحدودها التاريخية

وفق البلاغ الرسمي المنشور بتاريخ 8 أكتوبر 2026، أصدرت مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية السوسية (تشلحيت)، مع اعتماد الحرف العربي.

ويشير البلاغ إلى إشراف لجنة علمية على إنجاز الترجمة، مع مراعاة استعمال التعبير السوسي المألوف والمتداول، وتجنب المفردات الغامضة والغريبة والمستحدثة.

ويشكل هذا الإصدار مبادرة مؤسساتية مهمة تستحق الدراسة والتقييم، سواء من حيث دقة نقل المعاني، أو طبيعة الاختيارات المعجمية والدلالية، أو مدى ملاءمة اللغة المستعملة للناطقين بتشلحيت.

كما أن صدور هذا العمل عن مؤسسة متخصصة يفتح المجال أمام نقاش علمي بشأن منهجية الترجمة، والمعايير المعتمدة في مراجعتها، ودور الخبرة اللغوية والعلمية في ضمان وضوح المعاني وسلامة التعبير.

غير أن القيمة المؤسساتية لهذا الإصدار ينبغي ألا تؤدي إلى اختزال تاريخ الترجمة بالأمازيغية في تاريخ صدوره. فالمؤسسات لا تبدأ تاريخ المجالات التي تشتغل عليها من لحظة إطلاق مشاريعها، وإنما تنخرط في مسارات معرفية قد تكون قد راكمت، قبل تدخلها، تجارب متعددة ومساهمات فردية وجماعية.

ومن هذا المنطلق، فإن وضع إصدار 2026 ضمن سياقه التاريخي لا ينتقص من أهميته، بل يساعد على تحديد إضافته الفعلية، ويتيح مقارنته بالأعمال السابقة على أسس علمية واضحة.

إن المطلوب ليس إقامة مفاضلة مسبقة بين المبادرات الفردية والإنتاج المؤسساتي، وإنما بناء علاقة تكامل بينهما، تقوم على التوثيق والتقييم والاستفادة من الخبرات المتراكمة.

ثالثًا: الاعتراف بالمجهودات السابقة.. مسؤولية علمية وأخلاقية

يثير صدور ترجمة مؤسساتية جديدة سؤالًا مشروعًا حول كيفية تقديم تاريخ هذا المجال، ومدى حضور الترجمات السابقة في الوثائق التعريفية والتقديم العلمي المصاحب للإصدار.

وللإجابة عن هذا السؤال، ينبغي الرجوع إلى البلاغ الرسمي والتقديم العلمي للمصحف الجديد، والتحقق من مدى إشارتهما إلى الأعمال السابقة. ولا يصح الجزم بوجود إقصاء متعمد دون أدلة مباشرة، لكن من المشروع المطالبة بتوثيق الترجمات السابقة وإدراجها في أي عرض تاريخي شامل لمسار الترجمة القرآنية بالأمازيغية.

إن الاعتراف بالمجهودات السابقة ليس مجاملة شخصية لأصحابها، ولا تنازلًا عن حق النقد العلمي، بل هو من مقتضيات الأمانة الأكاديمية التي تفرض توثيق المصادر، والإقرار بالإسهامات السابقة، ووضع كل عمل ضمن سياقه التاريخي والمعرفي.

فكما لا يمكن كتابة تاريخ الأدب أو الفلسفة أو العلوم دون الإشارة إلى الأعمال التي أسهمت في تطورها، لا يمكن بناء تاريخ علمي للترجمة بالأمازيغية مع إغفال التجارب التي سبقت المبادرات المؤسساتية.

ويكتسي هذا المبدأ أهمية خاصة في سياق تطوير الأمازيغية، حيث لا يتعلق الأمر بإنتاج نصوص جديدة فحسب، بل أيضًا ببناء ذاكرة مكتوبة تحفظ جهود الباحثين والمترجمين، وتتيح للأجيال اللاحقة معرفة ما أُنجز، وما تحقق من تراكم، وما لا يزال يحتاج إلى تطوير.

والاعتراف هنا لا يعني تقديس الأعمال السابقة أو إعفاءها من النقد، بل يعني إخضاعها جميعًا لمعايير علمية واحدة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التراتبية التي تجعل الصفة المؤسساتية بديلًا عن الحجة العلمية.

إن احترام التراكم المعرفي لا يعيق التجديد، بل يمنحه أساسًا متينًا، ويجعل الإنجاز الجديد امتدادًا لتاريخ مشترك بدل أن يظهر وكأنه بداية منفصلة عنه.

رابعًا: لماذا لم تُكتب الترجمة بحرف تيفيناغ؟

يمثل هذا السؤال أحد أبرز أبعاد النقاش، لأنه يتجاوز الاختيار التقني المتعلق بطريقة كتابة النص، ليصل إلى مكانة تيفيناغ في السياسات اللغوية والثقافية بالمغرب.

في سنة 2003، اعتمد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية حرف تيفيناغ المعياري لكتابة الأمازيغية. وبعد ذلك، نص دستور المملكة المغربية لسنة 2011، في فصله الخامس، على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة دون استثناء.

ويقتضي التدقيق هنا التمييز بين الاعتراف الدستوري برسمية اللغة الأمازيغية واعتماد تيفيناغ معيارًا لكتابتها. فالفصل الخامس من الدستور يقر رسمية اللغة الأمازيغية، لكنه لا ينص بصورة مستقلة على حصرية حرف تيفيناغ أو على رسمية هذا الحرف في حد ذاته.

ومع ذلك، فإن هذا التمييز القانوني لا يلغي مشروعية التساؤل عن مدى انعكاس السياسات العمومية المتعلقة بالأمازيغية على خيارات الكتابة المعتمدة في المنشورات الصادرة عن المؤسسات الوطنية.

فإذا كان الهدف من ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية هو تقريب المعاني إلى الناطقين بها، فلماذا اعتُمد الحرف العربي دون إتاحة نسخة موازية بحرف تيفيناغ؟

وهل استند هذا الاختيار إلى دراسة لواقع القراءة والكتابة لدى الجمهور المستهدف؟ أم إلى اعتبارات تحريرية وتقنية؟ أم إلى تقدير معين لمدى انتشار أنظمة الكتابة بين الناطقين بتشلحيت؟

لا تسمح المعطيات المشار إليها هنا بالجزم بأسباب اختيار الحرف العربي، ما لم تتوفر وثائق أو توضيحات رسمية تبين المعايير المعتمدة. ولذلك، فإن المطلوب هو فتح النقاش حول هذه المعايير، والمطالبة بتوضيح مؤسساتي بشأنها، بدل افتراض دوافع غير مثبتة.

ومن المهم التأكيد أن استعمال الحرف العربي لا يجعل النص غير أمازيغي من الناحية اللغوية، كما أن استعمال تيفيناغ لا يضمن، في حد ذاته، دقة الترجمة أو جودتها. فاللغة ونظام كتابتها مستويان مختلفان، ولكل منهما وظائفه ومعاييره.

لكن الإقرار بإمكان كتابة الأمازيغية بأكثر من نظام كتابي لا ينبغي أن يؤدي إلى إضعاف حضور تيفيناغ أو التعامل معه باعتباره خيارًا ثانويًا لا يستحق الاستثمار والتطوير، خصوصًا بعد اعتماده معيارًا لكتابة الأمازيغية وتطوير حضوره في التعليم والإنتاج الثقافي والتواصل الرقمي.

ومن هنا، فإن المطالبة بإصدار نسخة موازية بتيفيناغ لا تعني الاعتراض على استعمال الحرف العربي، ولا التشكيك في مضمون الترجمة أو في طبيعتها الدينية. إنها مطالبة بتوسيع خيارات القراءة، وتعزيز حضور الكتابة المعيارية للأمازيغية، وإتاحة المعرفة للقراء وفق أنظمة كتابة مختلفة.

وقد يكون اعتماد نسختين متوازيتين، إحداهما بالحرف العربي والأخرى بتيفيناغ، خيارًا عمليًا يستحق الدراسة، بما يسمح بتوسيع قاعدة القراء، ويتيح في الوقت نفسه تطوير الخبرة المؤسساتية في إنتاج النصوص الأمازيغية بحرفها المعياري.

ولا يتعلق الأمر بفرض نظام كتابي واحد على جميع القراء، بل بتوفير الخيارات الممكنة، وتقييم أثرها على سهولة القراءة والاستعمال وانتشار المعرفة.

إن السؤال لا يقتصر على سبب اعتماد الحرف العربي، بل يشمل أيضًا سبب عدم استثمار هذا الإصدار في تعزيز حضور تيفيناغ في مجال من مجالات الإنتاج المعرفي، وما إذا كانت هناك معايير معلنة تفسر هذا الاختيار.

خامسًا: من الاعتراف باللغة إلى توسيع مجالات استعمالها

لا يكتمل الاعتراف باللغة الأمازيغية بمجرد الإقرار برسمية وضعها، بل يحتاج أيضًا إلى سياسات عملية توسع حضورها في التعليم والإدارة والإعلام والثقافة والبحث العلمي.

وفي هذا السياق، يكتسي اختيار نظام الكتابة أهمية تتجاوز الجانب الشكلي، لأن الكتابة تسهم في تشكيل عادات القراءة، وتطوير المصطلحات، وبناء الموارد التعليمية، وتوسيع إمكانات إنتاج المعرفة وتداولها.

وإذا كان تيفيناغ قد حظي بمكانة معيارية في كتابة الأمازيغية، فإن تطوير استعماله يتطلب توفير مواد مكتوبة متنوعة، وإدماجه في مجالات جديدة، ودراسة احتياجات القراء، وتقييم أثر الخيارات الكتابية المختلفة على التعلم والفهم والتواصل.

ولا يعني ذلك أن جميع المنشورات الأمازيغية ينبغي أن تتبع بالضرورة نظامًا كتابيًا واحدًا، أو أن اعتماد الحرف العربي في نص معين يمثل، بمفرده، مخالفة دستورية. بل يعني أن السياسات المؤسساتية مطالبة بتوضيح اختياراتها، وأن تجعل من توسيع حضور الأمازيغية المكتوبة هدفًا عمليًا قابلًا للتقييم.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الترجمة الجديدة باعتبارها فرصة لمناقشة إمكان إصدار نسخ موازية بتيفيناغ، وإنتاج موارد مساعدة للقراءة، وإجراء دراسات ميدانية حول تفضيلات الجمهور المستهدف ومستويات إتقانه لأنظمة الكتابة المختلفة.

إن نجاح أي مشروع لغوي لا يقاس فقط بعدد المنشورات الصادرة، بل كذلك بقدرته على توسيع قاعدة المستفيدين، وتحسين جودة المحتوى، وتطوير الموارد اللغوية، وتعزيز الاستعمال الفعلي للغة في الحياة العامة.

سادسًا: نحو مشروع علمي تراكمي للترجمة بالأمازيغية

إن تطوير الترجمة الدينية بالأمازيغية لا يتحقق بمجرد إصدار الكتب، مهما بلغت أهمية الجهة التي تشرف عليها، بل يحتاج إلى مشروع علمي متكامل يقوم على مرتكزات مترابطة:

  1. التوثيق التاريخي: جمع الترجمات السابقة وتصنيفها، وتحديد بياناتها الببليوغرافية وتواريخها ومناهجها، وإتاحتها للباحثين والمهتمين.
  2. الاعتراف بالإسهامات السابقة: توثيق جهود المترجمين والباحثين، وإدراج أعمالهم في الدراسات التعريفية والتاريخية، مع إخضاعها جميعًا للنقد والتقييم الموضوعيين.
  3. المقارنة العلمية: إنجاز دراسة مقارنة بين ترجمة الحسين جهادي الصادرة سنة 2003، والترجمات الأخرى، وإصدار سنة 2026، من حيث الاختيارات المعجمية والدلالية والأسلوبية واللسانية، مع مراعاة اختلاف المناهج والسياقات.
  4. تطوير الكتابة بتيفيناغ: دراسة إمكان إصدار نسخ موازية بهذا الحرف، وتقييم فوائدها وصعوباتها التقنية والتعليمية، بما يسهم في توسيع مجالات استعمال الأمازيغية المكتوبة.
  5. إتاحة المعرفة: توفير إمكان الاطلاع على الأعمال السابقة واللاحقة، ودعم البحث الأكاديمي في المصطلحات وأساليب الترجمة، وتطوير الموارد اللغوية التي يمكن أن يستفيد منها المترجمون والباحثون.
  6. توضيح المعايير المؤسساتية: نشر المعايير العامة المعتمدة في اختيار اللغة المستعملة ونظام الكتابة، متى كان ذلك ممكنًا، بما يتيح نقاشًا علميًا قائمًا على المعلومات بدل التأويلات.
  7. إشراك الباحثين والقراء: الاستفادة من خبرات اللسانيين والمترجمين والباحثين في الثقافة الأمازيغية، إلى جانب آراء القراء المستهدفين، عند تقييم سبل تطوير الإصدارات المقبلة.

إن اعتماد هذه المرتكزات من شأنه أن يجعل الإصدار المؤسساتي الجديد جزءًا من مشروع تراكمي، يربط بين المبادرات الفردية والخبرات الجماعية والقدرات المؤسساتية، ويتيح تطوير الترجمة بالأمازيغية على أسس أكثر وضوحًا وفعالية.

خاتمة: الاعتراف بالريادة وتطوير تيفيناغ مسؤولية مشتركة

يمثل كتاب الحسين جهادي الباعمراني الصادر سنة 2003 محطة موثقة في تاريخ ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية بالمغرب، إلى جانب ترجمات كاملة أخرى صدرت في السنوات اللاحقة. أما إصدار سنة 2026، فيمثل مبادرة مؤسساتية جديدة تستحق الدراسة والتقييم، دون أن يلغي ما سبقها من أعمال أو يعفيها من المقارنة العلمية.

والمطلوب اليوم هو توثيق تاريخ الترجمة بالأمازيغية، والاعتراف بإسهامات المترجمين السابقين، وإجراء مقارنات علمية بين الأعمال المنشورة، مع فتح نقاش مسؤول حول الاختيارات اللغوية ونظام الكتابة المعتمد.

وفي هذا السياق، يظل السؤال عن غياب تيفيناغ من الإصدار الجديد سؤالًا لغويًا وثقافيًا مشروعًا، لا يستلزم اتهام المؤسسة أو التشكيك في نيات القائمين على المشروع، بل يستدعي توضيحًا للمعايير المعتمدة، ودراسة إمكان توفير نسخة موازية بحرف تيفيناغ.

إن احترام الأعمال السابقة، وتثمين الإنجازات المؤسساتية الجديدة، وتطوير الكتابة بتيفيناغ ليست مواقف متعارضة، بل عناصر متكاملة في مشروع يروم الارتقاء بالأمازيغية لغةً للمعرفة والثقافة والتواصل.

فلماذا لم تُتح ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية بحرف تيفيناغ أيضًا؟ وما الذي يمنع اعتماد نسختين متوازيتين تتيحان للقراء الاختيار بين الحرف العربي وتيفيناغ؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين تتطلب نقاشًا مؤسساتيًا واضحًا، يستند إلى المعطيات العلمية والاحتياجات الفعلية للقراء، ويبحث عن السبل العملية لتوسيع حضور الأمازيغية المكتوبة.

فالثقافة لا تتقدم بمحو ما سبقها، بل بالبناء عليه؛ والاعتراف باللغة لا يكتمل بمجرد إعلان رسمي، بل يحتاج إلى توسيع مجالات استعمالها، وتطوير كتابتها، وحفظ ذاكرتها العلمية.

إن الاعتراف بالأمازيغية يقتضي الاعتراف بتاريخها المكتوب، وتثمين الجهود التي أسهمت في تطويرها، وتحويل مكانتها الرسمية إلى ممارسة ثقافية ومعرفية ملموسة.


المراجع الأكاديمية والرسمية

  1. المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية: محمد لعضمات، «ترجمات معاني القرآن إلى الأمازيغية: عرض وتقديم»، مجلة «أسيناگ»، العدد 16.
    https://www.ircam.ma/ar/revue-%E2%B4%B0%E2%B5%99%E2%B5%89%E2%B5%8F%E2%B4%B0%E2%B4%B3-asinag/numeros/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%DA%AF-asinag-%D8%B9%D8%AF%D8%AF-16
  2. المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية: مرجع حول اعتماد تيفيناغ المعياري لكتابة الأمازيغية سنة 2003.
    https://www.ircam.ma/fr/activites/celebration/celebration-de-la-12eme-commemoration-de-la-promulgation-royale-pour-adopter-tifinaghe-la-graphie-officielle-de-la-langue-amazighe
  3. دستور المملكة المغربية لسنة 2011: الفصل الخامس المتعلق برسمية اللغة الأمازيغية.
    https://www.ircam.ma/fr/textes-fondateurs/constitution-du-royaume
  4. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: «إصدار مصحفي جديد: ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية السوسية تشلحيت»، 8 أكتوبر 2026.
    https://www.habous.gov.ma/الدراسات-والشؤون-العامة/الموارد-البشرية/1317-التكوين-والمباريات-والامتحانات/مؤسسة-محمد-السادس-لنشر-المصحف-الشريف/22861-إصدار-مصحفي-جديد-ترجمة-معاني-القرآن-الكريم-إلى-اللغة-الأمازيغية-السوسية.html
  5. الفهرس الببليوغرافي لكتاب الحسين جهادي، 2003: بيانات الكتاب وخصائصه الببليوغرافية.
    https://books.google.com/books/about/%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9_%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86_%D8%A7%D9%84.html?id=AdrXAAAAMAAJ

What's your reaction?

Related Posts

49 / 1

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *