ثقافة و فنسلايدشو

نداء من أجل إنقاذ الذاكرة الدرامية لفرجة بيلماون الأمازيغية

*بقلم: الحبيب نونو – مخرج مسرحي

يشكل “بيلماون” أحد أبرز أشكال التعبير الثقافي والفرجوي بالمغرب، وخصوصاً في المجال الجغرافي والثقافي لبلاد سوس، حيث راكم عبر قرون طويلة من الممارسة الشعبية الواعية منظومة رمزية وجمالية متكاملة، جعلت منه ظاهرة ثقافية مركبة تتجاوز حدود التنكر والاحتفال العابر، لتنفذ إلى فضاء غني بالمعاني الاجتماعية، الروحية، والأنثروبولوجية. إنه باختصار: نص جماعي ممتد يترجم فلسفة الإنسان الأمازيغي وعلاقته ببيئته ومقدسه.
​وإذا كانت التحولات البنيوية السريعة التي عرفها المجتمع المغربي المعاصر قد ساهمت في نقل هذا الطقس من فضاءات الممارسة التلقائية بالقرية (أسّايس) إلى فضاءات العرض الحضري والمهرجانات المنظمة، فإن هذه التحولات الديموغرافية والثقافية قد أفرزت، في المقابل، تحديات حقيقية ومقلقة تفرض اليوم –أكثر من أي وقت مضى– إعادة التفكير في الرؤية الفكرية والفنية المؤطرة لهذه التظاهرات. إننا أمام ضرورة ملحة لصيانة الهوية الأصيلة لهذا التراث اللامادي وحمايته من التنميط والاستهلاك السطحي.
​ومن هذا المنطلق، وتأسيساً على تجربة شخصية، وكشاهد عيان على هذه التحولات العميقة التي مست جوهر الفرجة الشعبية، أجدني مدفوعاً بمسؤولية مزدوجة: مسؤولية المخرج المسرحي (عضو ومقرر لجنة التحكيم لمهرجان بيلماون بأكادير للدورتين الأولى والثانية) الذي يرى في “بيلماون” شكلاً درامياً ميمياً فائق العبقرية، ومسؤولية الفاعل الثقافي القلق على ذاكرة إبداعية آخذة في التآكل. وما هذه الورقة الفكرية إلا نداء ومحاولة لإعادة تأصيل الرؤية الفنية لفرجة بيلماون، والبحث في سبل صيانة “المعنى” والروح الدرامية قبل صيانة “المظهر” والشكل الخارجي.

أولاً: منطلق الذاكرة والشهادة الحية
أكتب هذه الورقة انطلاقاً من تجربة عشتها طفلاً مع “بيلماون” كطقس وكفرجة شعبية متكاملة، وكشاهد عيان على تحولات عميقة مست جوهر هذه الممارسة الثقافية حتى كادت تفقد أهم مقوماتها الفنية والرمزية. وما يدفعني إلى هذا التأطير اليوم ليس مجرد الحنين النوستالجي إلى الماضي، بقدر ما هو الإحساس بالمسؤولية المعرفية تجاه تراث آخذ في التآكل؛ تراث لا يمكن صيانته إلا إذا تفككنا جذوره الحقيقية، ووعينا منظومته الجمالية.
لقد تحول “بيلماون” خلال العقود الأخيرة إلى موضوع للمهرجانات والكرنفالات والاستعراضات الكبرى، غير أن هذه الدينامية الكثيفة –على أهميتها التنظيمية– ركزت في الغالب على المظهر الخارجي للفرجة (الجسد، الجلد، الماكياج) أكثر مما اهتمت بروحها العميقة وبنيتها الدرامية. فأصبح الاهتمام منصباً على المشهد البصري الاستهلاكي، بينما تراجع، بل اختفى تقريباً، ذلك البعد الدرامي الميمي الحكائي الذي كان يشكل جوهر الفرجة وأساس فرادتها كمسرح أمازيغي أصيل ومفتوح.

ثانياً: بيلماون فرجة درامية وليست مجرد “كرنفال”
من الضروري أكاديمياً التمييز بين “بيلماون” باعتباره فرجة شعبية ذات بناء درامي ورمزي متكامل، وبين “الكرنفال” بوصفه شكلاً احتفالياً غربياً قائماً أساساً على الاستعراض الموكبي والتنكر العابر.
لقد تأسست فرجة بيلماون تاريخياً على شعيرة اجتماعية تطورت إلى طقس فرجوي يجسد علاقة الإنسان بالطبيعة، والجماعة، والقيم الأخلاقية والمقدس. وتنهض هذه الفرجة السوسية على عناصر بنيوية دقيقة:

التنكر الكامل وإخفاء الهوية: كشرط لحرية الأداء وتجاوز حدود الفردانية نحو الشخصية النمطية الرمزية.

الأداء الميمي (Le Mime): بوصفه لغة جسدية مسرحية خالصة تعوض الكلام.

الحكاية والمحاكاة المجسدة بالحركة والإشارة) وفق بناء درامي متكامل.Mime

التفاعل المباشر مع الجمهور: كسر الجدار الرابع وتحويل الساحة (أسّايس) إلى فضاء تفاعلي.

المسار الأنثروبولوجي للتطهر: الانتقال الرمزي من “اللعنة” أو الدنس إلى “الكاتارسيس” (Catharsis) والصفاء.

ثالثاً: جدارية الإشارات.. قراءة في سيميولوجيا الطقس القديم

تتأسس الفرجة تاريخياً على طقوس عبور وتمثلات رمزية بالغة العمق، رصدنا بعض تجلياتها في الذاكرة الميدانية بسوس:

  1. طقس المقبرة وعالم الأموات:
    في إيمينتانوت، كان بيلماون قبل أن يخرج إلى ساحة “أسّايس”، يتوجه أولاً نحو المقبرة في حركات طقسية دائرية، وكأنه يستمد طاقة غامضة من عالم الأموات والأسلاف، ليتشبع رمزياً بثقل “اللعنة” البدئية والخروج عن النظم المألوفة قبل ملاقاة عالم الأحياء
  2. طقس الرماد وبوابة المسجد:
    وفي قرىتنا إغرم مسقط راسي، كان المؤدي بعد أن ينهي إعداد لباسه داخل “أخربيش بمسجد القرية، يطلي ما ظهر من جسده بالرماد الأسود اللزج المستخرج من قعر القدر الذي يُستعمل لتسخين ماء الوضوء الأكبر في المسجد. ثم يمر عبر “أسرير” المسجد (ممر المسجد)، ويطرق بقوة باب الفقيه ليتحصل على سخطه الرمزي أو يطاردونه، بل كان يرمز أحياناً إلى محاكاة التبول على جدار المسجد الخارجي ليستثير غضب الجماعة وسخطها، فتبدأ مطاردته وينادونه ب ميمون في مشاهد من الكر والفر إلى أن يصل إلى ساحة الفرجة.

إن هذه “اللعنة” المستثارة وتلك الأدران (الجلد والرماد والرائحة الكريهة) لم تكن دليلاً على تدمير القيم، بل كانت استعارة سيميولوجية للذنوب والآثام والمعاصي الأخلاقية التي تنخر الكيان الإنساني. ولذلك، لا يكتمل العرض إلا بطقس الاغتسال والتحلل من الجلود، حيث يتخلص بيلماون من قناعه، فيحضر معنى الانتقال من الدنس إلى الطهر، ومن الخطيئة إلى الصفاء، ومن اللعنة إلى الدعاء الصالح والصلاح الجماعي.

رابعاً: سينوغرافيا الأدوات البسيطة وبناء الحكاية

داخل الساحة (أسّايس)، يتحول بيلماون إلى مخرج وسينوغراف؛ يحمل معه قدراً قد تلطخ بالرماد، ويضيف إليه عصياً وحجارة تتحول عبر “المهمة الدرامية” إلى أدوات ركحية رمزية غاية في الذكاء:
ادوات واقعية بسيطة وظيفية ورمزية (حجر متوسط الحجم براد شاي دافئ,حجارة صغيرة دائرية, كؤوس تقليدية لتقديم الشاي، عصي خشبية مختلفة الطول أدوات فلاحية (محراث، مدراة…)

من خلال هذه الوسائل البسيطة، كان يحكي بالجسد وحده تفاصيل حياة الإنسان الأمازيغي: الزراعة، الرعي، الحصاد، تفصيل التبن عن الحبوب، الأذان والصلاة، ثم إقامة صلاة الاستسقاء ونزول المطر الرمزي. كما كان يجسد طقوس الذبح، والسلخ، وإعداد الطعام، والخطوبة، والزواج، وصولاً إلى الاحتفال الجماعي على إيقاعات “أحواش”. كان هذا بناءً درامياً متكاملاً بـ (بداية، عقدة، مسار، ونهاية)، وكان الصمت شرطاً مقدساً لإنجاح اللعبة الجمالية.

خامساً: مخاطر الاختزال الكرنفالي المعاصر

أصبحت العديد من الاحتفالات المعاصرة تميل إلى التركيز على الاستعراض الحركي السطحي والمؤثرات البصرية، مع تراجع ملحوظ للأبعاد السردية والرمزية المؤسسة للفرجة. وقد أفرز هذا الواقع مظاهر هجينة تهدد الهوية اللامادية للطقس:

الاغتراب البصري: هيمنة الأقنعة والمواد البلاستيكية المستوردة، واستعمال أجراس أبقار سويسرا وقرون الفايكينغ.

الاستنساخ الثقافي: إقحام شخصيات من السينما العالمية والخيال العلمي (كشخصيات الأفاتار وسبايدرمان والفراعنة) لا علاقة لها بالسياق الأنثروبولوجي المحلي.

تمييع الخصوصية: تداخل عناصر “بيلماون” بعناصر فرجوية أخرى تداخلت خطأً (ككناوة، وإسمكان، وإمعشار) مما أفقد العرض بصمته السوسية الخاصة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التطوير أو التجديد، بل في فقدان الذاكرة الجماعية للفرجة، وتحويلها من طقس “تطهيري/تأملي” إلى عرض استهلاكي معولم ومنفصل عن جذوره الثقافية.

سادساً: بيلماون بين المرجعية الثقافية والـتأويل الديني

عرفت منطقة سوس عبر تاريخها الطويل أشكالاً متقدمة من التعايش والتفاعل الإيجابي بين الثقافة المحلية والمرجعية الدينية. وقد عمل عدد من علماء وفقهاء سوس الأجلاء تاريخياً على تأويل العديد من الممارسات الاحتفالية وتأطيرها داخل المنظومة القيمية للمجتمع، بدل اللجوء إلى منطق التحريم الأعمى والإقصاء.
وفي هذا السياق، جرى فهم الرموز القاسية المرتبطة بـ “بيلماون” (كالجلد النتن، والرماد، والمطاردة) باعتبارها تعبيراً مجازياً عن:

  1. التخلص من الذنوب والآثام البشرية.
  2. الانتقال من عالم الدنس والخطأ إلى عالم الطهر والتوبة.
  3. ترسيخ قيم الجماعة والتضامن والتعايش الإنساني.
    ومن ثَم، فإن حملات التشويه والشيطنة والتكفير المعاصرة التي تتعرض لها هذه الفرجة الشعبية تنم عن جهل تام بتاريخها، ووظائفها الاجتماعية، والتأويلات الفقهية المرنة التي رافقت تطورها في البيئة المغربية القائمة على الوسطية والاعتدال. إن مواجهة خطابات التحريم والإقصاء لا تكون بالصدام، وإنما بالبحث العلمي، والتوثيق الرصين، والحوار الثقافي والمعرفي.

سابعاً: توصيات من أجل مهرجان مؤسس على المعرفة

إن مستقبل مهرجان بيلماون بالدشيرة الجهادية، وبباقي ربوع الوطن، رهين بقدرته على الجمع بين الاحتفال والتفكير، وبين الفرجة والمعرفة، وبين المحافظة والتجديد. ومن هنا تبرز مسؤولية المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية عبر المحاور التالية:

العودة إلى المسرح الدرامي: إعادة الاعتبار للبعد المسرحي الميمي داخل العروض، واستثمار المسرح كأداة قادرة على استعادة الحكايات المفقودة وإعادة تركيب البناء الدرامي الأصيل.

صيانة المعنى لا المظهر فقط: توثيق الحكايات التقليدية الشفوية المرتبطة بالفرجة، وتشجيع البحث العلمي والأنثروبولوجي والأكاديمي حول أصول الظاهرة وتحولاتها.

التأصيل قبل التحديث: التوقف عن استيراد الرموز الهجينة، والتعمق في استكشاف الثراء الكامن في البيئة والأزياء الأمازيغية المحلية والمواد المستخرجة من المحيط الطبيعي للواحة والقرية.

مأسسة الطقس: تحويل المهرجان إلى مختبر وطني لتطوير الأشكال الفرجوية الأصيلة، ومنصة للحوار المباشر بين الفنانين الممارسين والباحثين الأكاديميين.

إن “بيلماون” ليس مجرد قناع بلاستيكي، أو جلد ماعز، أو موكب استعراضي عابر تصرف عليه الملايين؛ إنه نص جماعي مفتوح تختزن داخله الذاكرة الأمازيغية رؤيتها للعالم، وللإنسان، وللعلاقة المعقدة بين الفرد، والجماعة، والطبيعة، والمقدس.

رحم الله جيلاً من الممارسين الشعبيين الذين أمتعونا بجمال أدائهم الصامت وبحكاياتهم المدهشة على أرضية أسّايس، وأملنا اليوم معقود على الأجيال الجديدة والفاعلين الثقافيين ليستعيدوا هذا الإرث العظيم؛ لا بوصفه جثة محنطة من الماضي، بل باعتباره مشروعاً فكرياً، فنياً، وتنموياً حياً، قادراً على مخاطبة الحاضر والمستقبل بكبرياء وجذور راسخة في عمق التاريخ.

What's your reaction?

Related Posts

39 / 1

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *