تمازيغتسلايدشو

الجامعة الصيفية بأكادير.. مسار ثقافي وعلمي متواصل من أجل الأمازيغية

منذ تأسيسها سنة 1979 بمدينة أكادير، شكلت الجامعة الصيفية فضاءً جمعويًا ذا طابع ثقافي وعلمي، احتضن النقاش حول قضايا اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وإشكالات التعدد اللغوي والعدالة اللغوية والديمقراطية الثقافية. وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، راكمت الجمعية تجربة متميزة في مجال الترافع الثقافي والفكري، وأسهمت في تطوير خطاب الحركة الأمازيغية وتقريب وجهات النظر بين مختلف الفاعلين السياسيين والثقافيين بالمغرب.

فضاء للحوار وتطوير الفكر الأمازيغي

اعتمدت الجامعة الصيفية بأكادير، منذ بداياتها، على تنظيم برامج ثقافية وعلمية ونضالية، شكلت الندوات واللقاءات الفكرية إحدى أبرز محطاتها. وقد عرفت دوراتها السابقة مشاركة أسماء بارزة في مجالات الفكر والبحث العلمي والثقافة والسياسة، بما أتاح فضاءً لتبادل الرؤى ومناقشة التحولات المرتبطة بالأمازيغية ومكانتها في المجتمع المغربي.

وتحت شعارها المحوري «الوحدة في التنوع»، عملت الجامعة الصيفية على جمع المثقفين والباحثين والفاعلين والمناضلين حول قضايا اللغة والهوية والثقافة، مع إتاحة المجال لنقاشات تعددت مقارباتها ووجهات النظر بشأن سبل الاعتراف بالأمازيغية والنهوض بها.

ولم يقتصر هذا المسار على النقاش النظري، بل انصبّ أيضًا على إبراز ضرورة الاعتراف بالأمازيغية لغةً وثقافةً وهويةً، والعمل من أجل تمكينها من الولوج إلى التعليم والإعلام والقضاء ومختلف مجالات الحياة العامة.

من الترافع الثقافي إلى الاعتراف الدستوري

واكبت الجامعة الصيفية، إلى جانب إطارات وفعاليات أخرى، التحولات التي عرفتها علاقة الدولة والمؤسسات بالأمازيغية، في سياق ترافع ثقافي وفكري امتد لسنوات طويلة. وقد شكل ترسيم اللغة الأمازيغية في دستور سنة 2011 محطة مفصلية في هذا المسار، الذي انتقل من مطلب الاعتراف إلى تحدي تفعيل المقتضيات الدستورية والقانونية.

وفي هذا السياق، واصلت الجامعة الصيفية اهتمامها بتتبع الإشكالات المرتبطة بتنزيل المكتسبات الدستورية، من خلال مقاربة نقدية واقتراحية تسعى إلى رصد التحديات المطروحة والمساهمة في النقاش العمومي حول السياسات اللغوية والثقافية.

ورغم ما عرفه مسار المطالبة بالاعتراف بالأمازيغية من مقاومة ومخاوف في مراحل مختلفة، فقد ساهم العمل الترافعي والثقافي في تحقيق تقدم مهم على مستوى الاعتراف الرسمي بها. غير أن هذا التقدم لا يعني نهاية المسار، إذ يظل التحدي الأساسي مرتبطًا بمدى تفعيل هذا الاعتراف داخل المؤسسات وفي الحياة العامة والممارسة اليومية.

أكثر من 20 إصدارًا لتوثيق الذاكرة الثقافية

من أبرز مظاهر العطاء الفكري للجامعة الصيفية بأكادير إصدار أعمال ندواتها، التي تجاوزت عشرين كتابًا، لتشكل رصيدًا معرفيًا يوثق النقاشات والأبحاث المرتبطة باللغة والثقافة الأمازيغيتين، والسياسات اللغوية، وإشكالات تدبير التعدد اللغوي والثقافي بالمغرب وشمال إفريقيا.

وتكتسي هذه الإصدارات أهمية خاصة بالنسبة إلى الباحثين والمهتمين بقضايا الأمازيغية والهوية والتنوع الثقافي، إذ تتيح العودة إلى محطات أساسية من النقاش الفكري والعلمي الذي رافق تطور الحركة الثقافية الأمازيغية، وتسهم في حفظ الذاكرة المعرفية وإغناء البحث العلمي.

كما يعكس هذا الإنتاج المنشور حرص الجامعة الصيفية على ألا تظل الندوات مناسبات عابرة، بل أن تتحول مخرجاتها إلى مادة علمية موثقة، متاحة للتداول والاستفادة منها من طرف الأجيال الحالية والمقبلة.

الندوات الدولية.. محطة متجددة في مسار الجامعة

تستعد الجامعة الصيفية بأكادير لتنظيم دورتها العشرين من ندواتها الدولية خلال شهر يوليوز المقبل، وفق المعطيات الواردة في الورقة التعريفية للجمعية. وتشكل هذه المحطة امتدادًا لمسار طويل من النقاش العلمي والثقافي حول الأمازيغية، والتعدد اللغوي، والعدالة اللغوية، والديمقراطية الثقافية.

وتتيح الندوات الدولية فرصة لتجديد النقاش حول التحولات التي تعرفها السياسات اللغوية والثقافية، واستحضار المكتسبات المحققة، إلى جانب مساءلة التحديات التي لا تزال تعترض تفعيل الاعتراف الدستوري بالأمازيغية وتمكينها من مكانتها في مختلف مجالات الحياة العامة.

مسار متواصل من المسؤولية والترافع

على مدى أكثر من خمسة عقود، حرصت الجامعة الصيفية بأكادير على تبني نهج يقوم على المسؤولية والرزانة في تناول قضايا الأمازيغية، بعيدًا عن الخطابات التهويلية أو العدمية، مع التمسك بمشروع ثقافي وفكري واضح يهدف إلى تعزيز الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين وترسيخ قيم التعدد والانفتاح.

وبين الندوات الدولية والإصدارات العلمية والترافع الثقافي، راكمت الجامعة تجربة جعلت منها إحدى المحطات البارزة في تاريخ النقاش حول الأمازيغية بالمغرب. ومع استمرار التحديات المرتبطة بتنزيل المقتضيات الدستورية والقانونية، يتواصل عملها من أجل الانتقال من الاعتراف الرسمي إلى التفعيل الفعلي، ومن المكتسبات القانونية إلى حضور ملموس للأمازيغية في المؤسسات والمجتمع.

إن مسار الجامعة الصيفية بأكادير يؤكد أن الاعتراف بالأمازيغية لا يمثل غاية نهائية، بل يشكل بداية مرحلة جديدة تتطلب مواصلة الحوار والعمل والترافع، حتى يتحول مبدأ «الوحدة في التنوع» إلى ممارسة يومية تعكس غنى المجتمع المغربي وتعدده اللغوي والثقافي.

What's your reaction?

Related Posts

50 / 1

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *