اخبار سريعة

تمازيغتثقافة و فنسلايدشو

الدراما الأمازيغية بين قوة الحكاية ورهانات المستقبل… ندوة بالدشيرة الجهادية حول السيناريو والهوية الفنية


احتضنت قاعة الاجتماعات ببلدية الدشيرة الجهادية، في إطار فعاليات ليالي رمضان لهذه السنة، ندوة فكرية بعنوان “الدراما الأمازيغية: الواقع والرهانات”، بحضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والفني والإعلامي، حيث شكل اللقاء مناسبة لفتح نقاش جاد حول واقع الإنتاج الدرامي الأمازيغي وتحدياته الفنية والثقافية، إضافة إلى آفاق تطويره مستقبلاً.

واستُهلّت الندوة بكلمة تقديمية ألقاها السيد حسن بليزيد، عضو المجلس الجماعي وعضو اللجنة المنظمة، حيث أكد في كلمته على أهمية تنظيم مثل هذه اللقاءات الفكرية التي تفتح المجال أمام النقاش الثقافي الجاد، وتُسهم في تطوير الصناعات الثقافية والفنية بالمدينة. كما أشار إلى أن جماعة الدشيرة الجهادية تسعى من خلال هذه المبادرات إلى الانفتاح على مختلف القطاعات الحيوية، وعلى رأسها القطاع الثقافي والفني، باعتباره رافعة أساسية للحركية الاجتماعية والاقتصادية.

وأضاف أن مدينة الدشيرة الجهادية ظلت على مدى سنوات طويلة فضاءً حاضناً للفنون الأمازيغية، ومجالاً خصباً لاحتضان المبادرات الثقافية والإبداعية، مما جعلها محطة مهمة في مسار إشعاع الثقافة الأمازيغية على المستوى الجهوي والوطني.

بعد ذلك تناول الكلمة المخرج والفاعل الثقافي يوبا أبركا، الذي قدم تأطيراً عاماً لفكرة تنظيم هذه الندوة، معبّراً عن شكره لجماعة الدشيرة الجهادية على احتضان هذا اللقاء الفكري، كما حيّا الحضور والمهتمين الذين لبّوا الدعوة للمشاركة في النقاش.

وأكد أبركا في مستهل مداخلته أن مجرد التفكير في تنظيم ندوة متخصصة حول الدراما الأمازيغية يعد مؤشراً مهماً على تطور النقاش الثقافي المرتبط بالإنتاج الفني الأمازيغي. وأوضح أن النقاشات في السابق كانت تُطرح غالباً في إطار عناوين عامة مثل “واقع الإعلام الأمازيغي”، بينما أصبح النقاش اليوم يتجه نحو التخصص، وهو ما يعكس تنامي الوعي بأهمية الصناعات الثقافية وبدور الدراما في التعبير عن الهوية والثقافة.

وأشار المتدخل إلى أن الحديث عن الدراما يفتح الباب أمام عدة مجالات فنية، من بينها التلفزيون والسينما والمسرح، غير أن الندوة اختارت التركيز أساساً على الدراما التلفزيونية، خاصة بحكم ارتباطها بشهر رمضان الذي يشهد عادة كثافة في الإنتاجات التلفزية ومتابعة واسعة من طرف الجمهور.

وفي المقابل، أوضح أبركا أن السينما الأمازيغية ما تزال في بدايات الطريق، ولم تحقق بعد التراكم الكافي الذي يسمح بتقييم شامل لمسارها الفني، رغم إمكانية الحديث عن تجربة الفيلم الأمازيغي المصور بالفيديو، والتي شكلت بدورها مرحلة مهمة في مسار الإنتاج السمعي البصري الأمازيغي، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة عديدة حول العلاقة بين الفيلم والتلفزة، وحول طبيعة هذا النوع من الإنتاجات.

كما توقف المتدخل عند التحولات التي يعرفها مجال السينما على المستوى العالمي، مشيراً إلى أن القاعات السينمائية لم تعد الفضاء الوحيد لعرض الأفلام كما كان الأمر في السابق، خاصة مع انتشار المنصات الرقمية التي أصبحت تستقطب جزءاً كبيراً من الإنتاجات السينمائية والدرامية. وأوضح أن هذا التحول غيّر كثيراً من طبيعة المشاهدة ومن مفهوم العمل الدرامي المصوّر، حيث أصبح يشمل المسلسلات والأفلام وحتى الإنتاجات الرقمية التي تُعرض عبر منصات مثل يوتيوب، والتي أضحت اليوم من أكثر المنصات انتشاراً وإتاحة للجمهور لمتابعة الأعمال الفنية دون اشتراك.

وفي سياق حديثه عن واقع الدراما الأمازيغية، أكد أبركا أن القناة الأمازيغية استطاعت خلال السنوات الأخيرة تحقيق تراكم مهم على مستوى الإنتاج الدرامي، وهو ما جعل النقاش ينتقل من مرحلة المطالبة بزيادة الإنتاج إلى مرحلة جديدة تتعلق بالبحث عن الجودة الفنية والارتقاء بمستوى الأعمال المقدمة للجمهور.

وأضاف أن الجمهور أصبح أكثر وعياً واهتماماً بتفاصيل العمل الدرامي، حيث تبرز في النقاشات العمومية قضايا متعددة مثل الاختلاف الثقافي، وتمثلات الهوية الأمازيغية، وطبيعة القيم الاجتماعية التي تعكسها الأعمال التلفزية، إضافة إلى أسئلة مرتبطة بالعلاقة بين التقاليد والتحولات التي يعرفها المجتمع المعاصر.

غير أن أبركا شدد في هذا السياق على أن تقييم العمل الدرامي يجب أن ينطلق أساساً من عناصره الفنية، وعلى رأسها جودة السيناريو وبناء القصة والإخراج والتصوير، باعتبارها العناصر الأساسية التي تحدد قيمة العمل الفني ومدى قدرته على التأثير في الجمهور.

وفي هذا الإطار اعتبر أن أزمة السيناريو ما تزال تشكل الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج الدرامي، موضحاً أن ضعف السيناريو يؤدي بالضرورة إلى ضعف العمل الفني ككل، مهما توفرت الإمكانيات التقنية أو الإنتاجية.

واستحضر في هذا السياق تجربة المخرج العالمي ألفريد هيتشكوك، الذي كان يؤكد أن ثلاثة عناصر أساسية تقوم عليها جودة أي فيلم، وهي:
“السيناريو أولاً، السيناريو ثانياً، والسيناريو ثالثاً.”

كما تم التوقف عند تجارب عدد من المدارس الدرامية العالمية، حيث تمت الإشارة إلى أن الدراما المصرية تتميز بقوة السيناريو من خلال الاستلهام والاقتباس من الروايات والأدب، في حين تستمد الدراما السورية قوتها من التاريخ وإعادة بنائه درامياً، بينما تتميز الدراما الإيرانية ببساطة الإمكانيات التقنية مقابل قوة كبيرة في السرد والحكي، خاصة من خلال تناول القضايا الإنسانية بلغة بسيطة قريبة من الجمهور.

أما التجارب السينمائية الدولية الكبرى، فإن سر قوتها يكمن أيضاً في الاستلهام من الأدب والتاريخ. وقد تم الاستشهاد بعدد من الأفلام العالمية التي استلهمت من الرواية، مثل أفلام المخرج ألفريد هيتشكوك، وأعمال سينمائية معروفة مثل “فورست غامب” و**“تيتانيك”** و**“العطر”** وغيرها.

وأشار أبركا إلى أنه رغم الإمكانيات الضخمة التي تتميز بها الصناعة السينمائية الأمريكية، إلا أن الأفلام التي تبقى خالدة في الذاكرة الفنية غالباً ما تكون تلك التي استلهمت مادتها من الأدب أو من وقائع التاريخ.

وانطلاقاً من هذه الأمثلة، دعا أبركا الفاعلين في الحقل السينمائي المغربي، والأمازيغي على وجه الخصوص، إلى ضرورة الاستلهام من الرواية والتاريخ في بناء الأعمال الدرامية والسينمائية، مؤكداً أن الثقافة والأدب الأمازيغيين يزخران بمواد غنية يمكن أن تشكل أساساً قوياً لإنتاج أعمال درامية ذات بعد إنساني عالمي.

وضرب مثالاً بسلسلة “بابا علي”، التي رغم توفرها على إمكانيات إنتاجية مقبولة من حيث الديكور والملابس مقارنة ببعض المسلسلات في بلدان أخرى، إلا أن غياب الحكاية التاريخية أو المرجعية السردية القوية يجعل انتشارها يظل في الغالب محدوداً داخل المجال الأمازيغي أو المغربي.

وأكد أن امتلاك قصة أدبية قوية كفيل بجعل العمل الفني أكثر تأثيراً وقدرة على الوصول إلى جمهور واسع، وهو ما يشكل حلماً مشروعاً يتمثل في تجاوز الدراما الأمازيغية لحدودها الجغرافية والانفتاح على جمهور عالمي.

وفي ختام النقاش، عاد أبركا ليؤكد مرة أخرى على أهمية الكتابة والسيناريو، وذلك رداً على سؤال أحد الحاضرين حول دور الذكاء الاصطناعي في السينما والفيلم الأمازيغي. حيث أوضح أن الإمكانيات الرقمية الحديثة قد توفر الوقت والجهد في عملية الإنتاج، لكنها لا يمكن أن تعوض غياب الفكرة والحكاية والقصة.

وختم متسائلاً:
ماذا يمكن أن ننتج إذا غابت الفكرة والسيناريو؟

What's your reaction?

Related Posts

36 / 1

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *