بين الانتماء الاجتماعي والحسابات الحزبية والحصيلة السياسية.. من يملك مفاتيح الفوز؟
مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تدخل جهة كلميم واد نون مرحلة انتخابية مفتوحة على أكثر من احتمال. فالمنافسة على المقاعد البرلمانية لا تجري فقط بين الأحزاب السياسية، وإنما داخل مجال اجتماعي تتقاطع فيه الانتماءات العائلية والقبلية، والامتدادات المحلية، والحضور الحزبي، وشبكات العلاقات، والحصيلة الانتدابية، والقدرة على التعبئة والإقناع.
وتضم الجهة أربعة أقاليم هي كلميم وسيدي إفني وطانطان وآسا الزاك، غير أن التعامل معها باعتبارها كتلة انتخابية واحدة سيكون اختزالاً غير دقيق. فلكل إقليم تركيبته الاجتماعية والسياسية، ولكل مجال توازناته الخاصة، كما أن وزن المرشح وشبكة علاقاته قد يختلفان من منطقة إلى أخرى.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي في انتخابات 2026 لا يبدو محصوراً في: أي حزب سيفوز؟ بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر تعقيداً: أي مرشح يستطيع تحويل الرمز الحزبي والامتداد الاجتماعي والحضور الميداني إلى أصوات فعلية؟
القبيلة.. من «كتلة انتخابية» إلى شبكة اجتماعية
من أكثر الاختزالات شيوعاً في قراءة السياسة المحلية بالجهة وصف الانتخابات بأنها «صراع قبلي». لكن هذا التوصيف، رغم أنه يحيل إلى واقع اجتماعي لا يمكن تجاهله، لا يكفي وحده لفهم السلوك الانتخابي المعاصر.
فالقبيلة لا تتحرك بالضرورة باعتبارها كتلة انتخابية مغلقة خلف مرشح واحد، كما أن الانتماء الاجتماعي لا يعني بالضرورة تطابق الاختيار السياسي بين جميع أفراده.
لقد تغيرت وظائف الروابط الاجتماعية، وأصبحت تتداخل مع العائلة، والحزب، والمنتخب، والفاعل الاقتصادي، والمصلحة الفردية، وشبكات الثقة والوساطة.
لذلك، فإن القبيلة في الانتخابات الحديثة قد تكون رأسمالاً اجتماعياً أكثر منها «صندوقاً انتخابياً» مضموناً.
وقد يمتلك مرشح امتداداً اجتماعياً واسعاً، لكنه يعجز عن تحويله إلى أصوات بسبب ضعف التنظيم أو سوء إدارة الحملة. وفي المقابل، قد يستفيد مرشح آخر من قوة حزبه وتنظيمه، لكنه يجد نفسه أمام حدود الحضور المحلي إذا لم يكن قادراً على بناء علاقة مباشرة مع الناخبين.
وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين القبيلة والحزب:
الحزب + المرشح + الشبكات الاجتماعية + الحصيلة + الموارد + الخطاب + القدرة على الإقناع.
كلميم.. حين يصبح المرشح أهم من الشعار
تقدم كلميم نموذجاً واضحاً على قابلية الخريطة الانتخابية للتحول. فقد أظهرت الانتخابات السابقة أن الصدارة الحزبية لا تعني بالضرورة استقرار التمثيلية السياسية، وأن النتائج يمكن أن تتأثر بجملة من العوامل المرتبطة بالمرشحين والتحالفات والمسارات القانونية والسياسية اللاحقة.
وهذا المعطى يجعل المنافسة في كلميم مفتوحة على أكثر من سيناريو.
فحضور الأحزاب الكبرى لا يلغي أهمية العامل المحلي، كما أن الانتماء الحزبي وحده لا يكفي لصناعة النتيجة.
السؤال الحقيقي هنا ليس فقط: أي حزب سيفوز؟
بل: من يستطيع أن يحول الحزب إلى أصوات؟
وهنا تبرز قوة المرشح باعتباره فاعلاً مستقلاً نسبياً داخل المعادلة الانتخابية.
فالحزب يمنح المرشح المظلة التنظيمية والرمز السياسي والموارد البشرية واللوجستية، لكن المرشح يحتاج بدوره إلى بناء علاقة مباشرة مع الناخبين، وإلى امتلاك صورة محلية مقنعة، وإلى الدفاع عن حصيلته ومواقفه.
وفي هذا السياق، تصبح الأسئلة أكثر إحراجاً:
ماذا قدم المرشح خلال ولايته السابقة؟
ما الذي استطاع تحقيقه فعلياً؟
ما موقعه من قضايا المدينة والجهة؟
هل كان حاضراً في النقاش العمومي؟
وهل يستطيع الانتقال من خطاب الوعود إلى خطاب الحصيلة؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من الشعارات الحزبية نفسها.
سيدي إفني وطانطان وآسا الزاك.. خصوصية المجال لا تعني ثبات السلوك
لا يمكن قراءة الأقاليم الأربعة بمنطق انتخابي واحد.
فلكل إقليم تركيبته الاجتماعية ومجاله الجغرافي وموارده الاقتصادية وشبكاته المحلية وتاريخه السياسي.
وتظهر نتائج الانتخابات السابقة تفاوتاً واضحاً في نسب المشاركة وفي طبيعة المنافسة بين الأقاليم، وهو ما يؤكد أن الجهة ليست وحدة انتخابية متجانسة.
في سيدي إفني وطانطان وآسا الزاك، تستمر العلاقات الاجتماعية والعائلية وشبكات المنتخبين والفاعلين المحليين في لعب أدوار متفاوتة في عملية التعبئة الانتخابية. لكن ذلك لا يعني أن الناخب يوجد خارج التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.
فالناخب نفسه يتغير.
وتتغير معه أولوياته وانتظاراته وطرق حصوله على المعلومات وتقييمه للمرشحين.
لم تعد القضايا الانتخابية محصورة في الانتماء الاجتماعي أو العلاقة الشخصية. التشغيل، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والماء، والبنيات التحتية، والفلاحة، والصيد البحري، والسياحة، ودعم الاقتصاد المحلي، والعدالة المجالية، كلها أصبحت عناصر تدخل بدرجات مختلفة في تقييم الأداء السياسي.
وهنا تحديداً ينتقل النقاش من سؤال:
«من معنا؟»
إلى سؤال أكثر صعوبة:
«ماذا فعلت؟»
من شرعية الانتماء إلى شرعية الأداء
قد يكون التحول الأهم الذي ينبغي مراقبته في انتخابات 2026 هو احتمال انتقال جزء من السلوك الانتخابي من شرعية الانتماء إلى شرعية الأداء.
فاسم العائلة قد يساعد في بناء الثقة، والانتماء الاجتماعي قد يوفر شبكة للتعبئة، والحزب قد يوفر التنظيم، لكن أياً من هذه العناصر لا يضمن وحده الفوز.
فالناخب الذي أصبح أكثر تعرضاً للمعلومات والمقارنة يستطيع أن يسأل عن الحصيلة، وعن المواقف، وعن الوعود السابقة، وعن مدى تطابق الخطاب مع الممارسة.
وهنا تصبح المسؤولية مشتركة بين المرشح والحزب.
فالحزب الذي يطلب أصوات المواطنين مطالب بأن يوضح ماذا فعل عندما كان في الحكومة أو البرلمان أو المؤسسات المنتخبة. والمرشح الذي يقدم نفسه باعتباره ممثلاً للمنطقة مطالب بدوره بتقديم حصيلة قابلة للنقاش والمساءلة.
أما البرنامج الانتخابي، فلا ينبغي أن يظل وثيقة دعائية مليئة بالعبارات العامة.
البرنامج الانتخابي.. من وثيقة دعائية إلى عقد سياسي
جهة ككلميم واد نون تحتاج إلى أسئلة محددة وإجابات قابلة للقياس.
كيف سيتم خلق فرص الشغل؟
كيف سيتم جذب الاستثمار؟
كيف سيتم تثمين الموارد المحلية؟
ما هي السياسات الموجهة للشباب؟
كيف ستعالج الفوارق المجالية بين الأقاليم؟
ما موقع الجهة في السياسات العمومية المرتبطة بالأقاليم الجنوبية؟
إذا لم تتحول هذه الأسئلة إلى التزامات سياسية قابلة للتقييم، فإن البرنامج سيظل جزءاً من ديكور الحملة، لا أداة للتعاقد السياسي مع الناخب.
فالناخب لا يحتاج فقط إلى معرفة ما يعد به المرشح، وإنما إلى معرفة كيف ومتى وبأي وسائل يمكن تنفيذ ذلك.
الحزب القوي لا يصنع بالضرورة مرشحاً قوياً
من الأخطاء التحليلية الأخرى افتراض أن قوة الحزب على المستوى الوطني تعني تلقائياً قوة مرشحه محلياً.
فالانتخابات التشريعية تُنظم داخل إطار حزبي وطني، لكنها تُخاض ميدانياً في سياقات محلية شديدة الخصوصية.
الحزب يوفر التنظيم، والمرشح يوفر الحضور، والشبكات الاجتماعية توفر التعبئة، والبرنامج يوفر الخطاب، والحصيلة تمنح أو تسحب المصداقية.
ولهذا فإن المرشح الذي يجمع بين هذه العناصر سيكون أكثر قدرة على المنافسة من مرشح يعتمد على عنصر واحد فقط.
وقد يكون من الخطأ أيضاً افتراض أن المرشح صاحب الشعبية المحلية قادر وحده على حسم المعركة؛ فغياب التنظيم، وضعف الحملة، وعدم القدرة على تدبير الموارد والرسائل الانتخابية، يمكن أن يحول دون ترجمة الشعبية إلى أصوات.
المعركة، في النهاية، ليست بين «حزب» و«قبيلة»، وإنما بين تركيبات انتخابية مختلفة.
الشباب.. العامل الذي قد يعيد رسم الخريطة
أي تحليل للانتخابات في الجهة يتجاهل الشباب سيكون ناقصاً.
فالجيل الجديد من الناخبين يعيش السياسة داخل فضاء مختلف عن الأجيال السابقة. الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي جعلا المرشح تحت مراقبة شبه دائمة، وأصبح بإمكان الناخب مقارنة التصريحات بالوقائع، واستحضار المواقف السابقة، وتداول الوعود والانتقادات خلال دقائق.
لكن لا ينبغي المبالغة في أثر الرقمنة.
فوسائل التواصل الاجتماعي لا تلغي العلاقات الاجتماعية، ولا تستبدل العمل الميداني، وإنما تضيف فضاءً جديداً للتنافس.
المرشح الناجح في انتخابات 2026 قد يكون مطالباً بالجمع بين الحضور الميداني والحضور الرقمي: أن يعرف كيف يتحدث مع الناخب في الشارع، وفي الوقت نفسه كيف يخاطبه على شاشة الهاتف.
وهنا تتحول الصورة الرقمية للمرشح إلى جزء من رأسماله السياسي.
المال الانتخابي والوساطة.. المنطقة التي يصعب قياسها
لا يمكن تقديم قراءة نقدية للانتخابات دون التوقف عند المال الانتخابي وشبكات المصالح والوساطة والوعود الفردية.
لكن تناول هذه الظواهر يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، لأن الانتقال من رصد ظاهرة عامة إلى اتهام مرشح أو منطقة أو جماعة بعينها يحتاج إلى أدلة واضحة.
المسألة الأهم ليست فقط وجود المطالب الفردية، وإنما احتمال أن تتحول العلاقة بين المرشح والناخب من علاقة تمثيلية قائمة على السياسات العمومية إلى علاقة تبادلية تقوم على الوساطة والمصلحة الشخصية.
وهنا تظهر مفارقة عميقة:
كلما تراجع النقاش حول السياسات العمومية، ارتفعت قيمة الوساطة الشخصية.
وهذا يضع الانتخابات أمام نموذجين متنافسين من السياسة:
سياسة البرامج والمؤسسات والمساءلة،
في مقابل:
سياسة الشبكات والوساطة والعلاقات الشخصية.
ولا يتعلق الأمر بالحكم الأخلاقي على الناخب أو المرشح، بقدر ما يتعلق بفهم البنية التي تنتج الاختيار الانتخابي.
الانتخابات ليست «فرجة».. والناخب ليس مجرد رقم
الانتخابات ليست مجرد مناسبة لعرض الشعارات أو سباقاً للحصول على المقاعد.
إنها، في جوهرها، إحدى آليات التمثيل السياسي والمساءلة الديمقراطية.
ولهذا فإن اختزال الانتخابات في «صراع قبلي» قد يكون مضللاً من الناحية التحليلية، لأنه يحول المجتمع إلى كتل ثابتة ويختزل الناخب في انتمائه الاجتماعي، بينما الواقع أكثر تعقيداً.
وفي المقابل، فإن اختزال الانتخابات في المنافسة الحزبية وحدها يتجاهل البنية الاجتماعية التي تتحرك داخلها الأحزاب.
المطلوب إذن هو قراءة الانتخابات باعتبارها تفاعلاً بين المؤسسات والشبكات الاجتماعية والأفراد والمصالح والبرامج.
ومن هذه الزاوية، تصبح القبيلة عاملاً من عوامل السياسة المحلية، لا قدراً انتخابياً محتوماً، كما يصبح الحزب إطاراً للتنظيم السياسي، لا بديلاً عن المرشح ولا عن الناخب.
ماذا ستكشف صناديق الاقتراع؟
انتخابات 23 شتنبر 2026 ستكون، بالنسبة لجهة كلميم واد نون، أكثر من مجرد سباق للحصول على مقاعد البرلمان.
ستكون اختباراً للأحزاب: هل تستطيع بناء حضور محلي يتجاوز موسم الانتخابات؟
واختباراً للمرشحين: هل يملكون شرعية تتجاوز اسم الحزب والانتماء الاجتماعي؟
واختباراً للناخبين: هل سيبقى الاختيار محكوماً بمنطق العلاقات والامتداد الاجتماعي، أم سيزداد وزن الحصيلة والبرنامج والأداء؟
وستكون أيضاً اختباراً للجهة نفسها: هل تستطيع الانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات، ومن الوعود العامة إلى التزامات قابلة للقياس؟
وقد تكشف النتائج أن القبيلة ما تزال فاعلاً مهماً، لكنها ليست الفاعل الوحيد.
وقد تكشف أن الحزب القوي لا يستطيع دائماً تعويض ضعف مرشحه.
وقد تثبت أن المرشح أصبح، في بعض الحالات، رقماً مستقلاً داخل المعادلة الانتخابية.
وقد تكشف أيضاً أن الناخب لم يعد يختار فقط بناءً على سؤال:
«من ينتمي إلى من؟»
وإنما بدأ، ولو بشكل تدريجي، في طرح سؤال أكثر ارتباطاً بالمصلحة العامة:
«ماذا قدم؟ وماذا يستطيع أن يقدم؟»
لهذا، فإن السؤال الأكثر دقة في انتخابات كلميم واد نون 2026 ليس:
هل ستنتصر القبيلة أم الحزب؟
بل:
كيف ستتفاوض القبيلة والحزب والمرشح والشبكات الاجتماعية والبرنامج والحصيلة والناخب داخل صناديق الاقتراع؟
ذلك أن السياسة المحلية لا تتحرك وفق عامل واحد، وإنما وفق توازن متغير بين مجموعة من القوى.
وفي النهاية، قد لا تكون انتخابات 2026 مجرد سباق للحصول على مقاعد البرلمان، بل اختباراً لمرحلة جديدة من السياسة في جهة كلميم واد نون:
هل ستظل شرعية المرشح مرتبطة أساساً بمن يقف وراءه، أم ستبدأ في التحول تدريجياً نحو ما يستطيع أن يقدمه؟
الحملات الانتخابية قد تقدم الرواية، والأحزاب قد تقدم البرامج، ووسائل التواصل الاجتماعي قد تصنع الضجيج، والشبكات الاجتماعية قد تعبئ الناخبين.
لكن في اللحظة الأخيرة، ستبقى صناديق الاقتراع هي التي ستكشف حدود كل هذه القوة، ومن استطاع بالفعل تحويلها إلى أصوات.
بقلم:احمد ليديب
بل:























