اخبار سريعة

جهاتسلايدشو

حول الرعي والترحال… عندما يتعثر تطبيق القانون.

عندما تدخل المشرع وأصدر القانون رقم 113.13 المنظم للرعي والترحال، فذلك يعني أن الدولة اختارت طريق التنظيم بدل الفوضى، والقانون بدل السيبة ، وأصبحت مسؤولية المراقبة والتطبيق من اختصاص مؤسسات إنفاذ القانون، لا الساكنة ولا المنتخبين.

غير أن ما يجري هذه الأيام بإقليم سيدي إفني يقول عكس ذلك…

إننا أمام تعثر و غياب كامل لروح 113.13…

ساكنة بوادي إيت باعمران، والإقليم ككل، لا تعادي الرعي، لأنها تعيش من الأرض وتعرف قيمتها،…

لكنها ترفض، وبشكل مشروع، الرعي الجائر لما يخلفه من أضرار على الكلأ والمزروعات،وعلى ما تبقى من الصبار و الأركان…

وحين يخرج المواطن للاحتجاج، ميدانيا أو افتراضيا، بسبب عدم تطبيق قانون قائم وواضح، فإن ذلك لا يسائل الساكنة، بل يسائل بالأساس مؤسسات إنفاذ القانون ،…

فالاحتجاج هنا ليس أصل المشكل، بل نتيجة مباشرة لغياب وضعف تدخل مؤسساتي كان يُفترض أن يكون استباقيا.

نحن في جهات الصحراء كقرية صغيرة ، نعي جيدا حساسية موضوع الرحل وما يحيط به من توازنات اجتماعية وتاريخية، كما نعي أكثر هوية ملاك القطعان، سواء الظاهر منهم أو من يختفون وراء الستار ،…

غير أن هذه الحساسية لا ينبغي، أن تتحول إلى ذريعة لتعطيل القانون، أو إلى ورقة للعب على وتر التخويف من ملف سياسي ….

فعندما يكون القانون موجودا وواضحا، لا نحتاج إلى وقفات احتجاجية، ولا إلى شحن افتراضي، ولا إلى أسئلة برلمانية لا تؤثر في ادنى قرار حكومي، …

الرعي، سواء كان قانونيا أو جائرا، أمر يتكرر سنويا، وليس حدثا مفاجئا ،…

ولذلك، كان هذا الملف يتطلب تدخلا استباقيا وحازما من السيد والي الجهة والسيد عامل الإقليم، عبر قرارات واضحة، وضبط ميداني فعلي، في مواجهة عشرات الشاحنات الآتية من أقصى جنوب المملكة، متجاوزت عشرات الحواجز الأمنية والإدارية، وذلك عبر تفعيل حقيقي للقانون وتحريك فعلي للجان المختصة، قبل الوصول إلى منطق الأمر الواقع.

لكن، ومع غياب هذا التدخل في وقته، وجدنا أنفسنا أمام آلاف القطعان تصول وتجول دون ضبط، وبكل استفزاز على مرمى حجر من الدواوير…

إن حلحلة هذا الإشكال المتكرر يحتاج إلى وعي سياسي وإرادة مسؤولة، كما يقتضي منا جميعا التحذير من بعض الانزلاقات اللفظية التي ملأت الفضاء الافتراضي ، ووصلت مع الأسف بسذاجة حتى إلى البرلمان، من قبيل تسميات: “مافيا الرحل” و“عصابات الرعي الجائر”،…

ليس فقط لأنها توصيفات ترتب آثارا قانونية، وتوحي بضعف مؤسسات الدولة ،…

بل لأنها تصدر أحكاما مسبقة في حق كل من يشتغل في تربية الماشية، وتخلط بين من يخرق القانون ومن يمارس نشاطه المشروع.

إن اللجوء إلى هذا النوع من العبارات، مهما كانت دوافعه، لا يسهم في حلحلة الإشكال، بقدر ما يرفع من حدة التوتر، ويغذي مشاعر الاحتقان والانفلات، ويضعف من شرعية أصحاب الحق ،..

فمثل هذا الملف، بطبيعته الاجتماعية والبيئية الحساسة، لا يعالج بالشحن اللفظي المنفلت، بل بالحكمة وتطبيق القانون بعدل على الجميع، حفاظا على السلم الاجتماعي.

لأن الانفلات لا يضر بالمرعى فقط، بل قد يورط أناسا أبرياء، فنجد ساكنة غاضبة مشحونة، بدل أن تضمن الدولة حقوقها وتحميها، تُدفع إلى الاحتكاك، لتواجه بمخالفات أو متابعات ذات طابع جنائي، فقط لأنها دافعت عن أرضها…

ولسنا ببعيدين عمّا جرى قبل سنتين..

ومن جهة أخرى، لا يجب إغفال دور الكساب الخارجي في تزويد السوق المحلي باللحوم، إذ تعد جماعة تيوغزة، مثلا، أكبر سوق في الاقليم استهلاكا للحوم ،…

وتعتمد بالأساس على سلاسل تموين غير محلية ،…

وهو ما يفرض مقاربة متوازنة تحمي حقوق الساكنة وأراضيها، دون المساس بالأمن الغذائي أو شيطنة نشاط مشروع، على اعتبار أن مسؤولية التنظيم والضبط تبقى من اختصاص الدولة ومؤسساتها.

ولهذا نقولها بوضوح ومسؤولية:

الحكومة، بمختلف مؤسساتها، تتحمل مسؤولية كاملة في هدا الملف ، و في مدى نجاعة تنزيل برامج كلفت، وما تزال، ميزانية الدولة مئات المليارات من الدراهم سنويا في مجال الرعي و الثروة الحيوانية، باعتبارها إحدى ركائز الأمن الغذائي للمملكة…

ولا خلاف في أن دعم الكساب، صغيرا كان أو كبيرا، وتوفير مجالات منظمة للرعي، يظل خيارا وطنيا مشروعا وضروريا.

غير أن هذا الدعم العمومي لا يمكن أن يستمر بمنطق التدبير الظرفي وحده، ولا أن يُمول على حساب ساكنة البوادي التي تحملت، عبر عقود، مشاق وضنك العيش، وعمّرت السهل و الجبل …

فالأجدى والأوفر كلفة ، هو توسيع تهيئة مراعي مستدامة، خاصة بالأراضي القاحلة التابعة لملك الدولة، بما يسمح بتخفيف الضغط عن المجالات الهشة، وتقليص الحاجة إلى الدعم سنة بعد أخرى.

ختاما،

هذه الأرض الشريفة قوية بأهلها وتاريخها،

وإيت باعمران متشبثة بأرضها، وحريصة على الاستقرار.

ما تطلبه ليس الفوضى،

فجراح إشكالات الملك الغابوي ما تزال حاضرة،

والتكاسل الظاهر على مستوى المؤسسات المعيّنة و المنتخبة، بات يربك السلم المحلي ويثير القلق ،…

ما تطلبه، في جوهره، هو استحضار التاريخ، وإنصاف تضحيات الساكنة، بما يرفع ويعزز فيهم روح الوطنية والتشبث بمقدسات الوطن.

محمد أبودرار

What's your reaction?

Related Posts

34 / 1

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *